أحمد زكي صفوت
444
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة
من انتحالك ما قد علا عنك « 1 » ، وابتزازك لما قد اختزن دونك ، فرارا من الحقّ « 2 » ، وجحودا لما هو ألزم لك من لحمك ودمك ، مما قد وعاه سمعك وملئ به صدرك ، فما ذا بعد الحق إلا الضلال المبين ، وبعد البيان إلا اللّبس ، فاحذر الشّبهة واشتمالها على لبستها « 3 » ، فإن الفتنة طالما أغدفت جلابيبها ، وأغشت الأبصار ظلمتها « 4 » . وقد أتاني كتاب منك ذو أفانين « 5 » من القول ضعفت قواها عن السّلم ، وأساطير لم يحكها منك علم ولا حلم ، أصبحت منها كالخائض في الدّهاس « 6 » ، والخابط في الدّيماس ، وترقّيت إلى مرقبة « 7 » بعيدة المرام ، نازحة الأعلام ، تقصر دونها الأنوق « 8 » ، ويحاذى بها العيّوق . وحاش للّه أن تلى للمسلمين بعدى صدرا أو وردا ، أو أجرى لك على أحد منهم عقدا أو عهدا ، فمن الآن فتدارك نفسك ، وانظر لها ، فإنك إن فرّطت حتى ينهد « 9 » إليك عباد اللّه ، أرتجت عليك الأمور ، ومنعت أمرا هو منك اليوم مقبول ، والسلام » . ( نهج البلاغة 2 : 90 )
--> ( 1 ) يعنى الخلافة ، والابتزاز : الاستلاب . ( 2 ) أي من التمسك به . ( 3 ) اللبسة : الاشتباه والإشكال ، وأغدفت المرأة قناعها : أرسلته على وجهها ، وأغدف الليل : أرخى سدوله . ( 4 ) أي وجعلت ظلمتها غشاء للأبصار ، ويروى « وأعشت » فظلمتها فاعل . ( 5 ) أي أساليب وطرائق ، وحاكه : نسجه ، ونسج الكلام : تأليفه ، والأساطير : الأباطيل ، جمع أسطورة بالضم أو إسطارة بالكسر . ( 6 ) الدهاس بالفتح : المكان السهل اللين لا يبلغ أن يكون رملا وليس بتراب ولا طين ، والديماس بالفتح والكسر : السرب المظلم ، وأصله من دمس الليل فهو دامس : أي اشتدت ظلمته ، وكان للحجاج سجن يسمى الديماس لظلمته . ( 7 ) المرقبة : الموضع المشرف يرتفع عليه الرقيب ، ونازحة ، بعيدة ، والأعلام : جمع علم بالتحريك : هو ما ينصب في الطريق ليهتدى به . ( 8 ) الأنوق : الرخمة ، وفي المثل « أعز من بيض الأنوق » لأنها تحرزه ولا يكاد أحد يظفر به ، لأن أو كارها في رؤوس الجبال والأماكن الصعبة البعيدة ، والعيوق : نجم أحمر مضئ يتلو الثريا . ( 9 ) ينهد : ينهض ، وأرتجت : أي أغلقت .